النووي
17
المجموع
العوض فهي منفعة معقولة من عين معروفة فهي كالعين المبيعة ، ولو كان حكمها خلاف حكم العين لكان في حكم الدين ولم يجز أن يكترى بدين لأنه حينئذ يكون دينا بدين ، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الدين بالدين ، فإذا وقع ما أكرى وجب له جميع الكراء كما إذا دفع ما باع وجب له جميع الثمن إلا أن يشترط أجلا اه . وجملة القول في عقد الإجارة أن يتضمن تمليك منافع في مقابلة أجرة ، فأما المنافع فلا خلاف أنها تملك بالعقد ويستقر الملك بالقبض ، وأما الإجارة فلها ثلاثة أحوال . ( أحدها ) أن يشترطا حلولها وتكون حالة اتفاقا . ( والثاني ) أن يشترطا تأجيلها أو تنجيمها فتكون مؤجلة أو منجمه اجماعا ( والثالث ) ان يطلقاها فلا يشترطا فيها حلولا ولا تأجيلا ، فقد اختلف الفقهاء فيها على ثلاثة مذاهب : فمذهب الشافعي منها أن الأجرة تكون حالة تملك بالعقد وتستحق بالتمكين ، وقال أبو حنيفة : لا يتعجل الأجرة بل تكون في مقابلة المنفعة ، فكلما مضى من المنفعة جزء ملك ما في مقابلته من الأجرة ، وقال مالك : لا يستحق الأجرة الا بمضي جميع المدة استدلالا بقوله تعالى ، فان أرضعن لكم فآتوهن أجورهن ، فاقتضى أن تكون باستكمال الرضاع يستحق الأجرة ، وبما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه ) فكان ذلك منه حثا على تعجيلها في أول زمان استحقاقها ، وذلك بعد العمل الذي يعرف به ، ولان أصول العقود موضوعة على تساوى المتعاقدين فيما يملكانه بالعقد ويكون ملك العوض تاليا لملك المعوض كالبيع إذا ملك على البائع المبيع ملك به الثمن ، وإذا سلم المبيع استحق قبض المنافع مؤجلا وجب أن يكون قبض الأجرة مؤجلا ، وتحريره قياسا أنه عقد معاوضة فوجب أن يكون استحقاق العوض بعد اقباض المعوض كالبيع ، ولان ما استحق من الأعواض على المنافع يلزم أداؤه بعد تسليم المنافع كالجعالة والقراض ، ولان من ملك للأجرة يمنع من استحقاقها عليه بالعقد ، وقد ثبت أن الدار المؤجرة من الأجرة فدل على أنه لم يكن مالكا للأجرة .